ابن كثير

87

البداية والنهاية

من أهل الحجاز في أواخر دولة مروان الحمار بالخلافة وخلع مروان ، وكان في جملة من بايعه على ذلك أبو جعفر المنصور ، وذلك قبل تحويل الدولة إلى بني العباس ، فلما صارت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور خاف محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم منه خوفا شديدا . وذلك لان المنصور توهم منهما أنهما لا بد أن يخرجا عليه كما أرادا أن يخرجا على مروان ، والذي توهم منه المنصور وقع فيه ، فذهبا هربا في البلاد الشاسعة فصارا إلى اليمن ، ثم سارا إلى الهند فاختفيا بها ، فدل على مكانهما الحسن بن زيد فهربا إلى موضع آخر ، فاستدل عليه الحسن بن زيد ودل عليهما ، ثم كذلك . وانتصب إلبا عليهما عند المنصور . والعجب منه أنه من أتباعهما . واجتهد المنصور بكل طريق على تحصيلهما فلم يتفق له ذلك ، وإلى الآن . فلما سأل أباهما عنهما حلف أنه لا يدري أين صارا من أرض الله ، ثم ألح المنصور على عبد الله في طلب ولديه فغضب عبد الله من ذلك وقال : والله لو كانا تحت قدمي ما دللتك عليهما . فغضب المنصور وأمر بسجنه وأمر ببيع رقيقه وأمواله ، فلبث في السجن ثلاث سنين ، وأشاروا على المنصور بحبس بني حسن عن آخرهم فحبسهم ، وجد في طلب إبراهيم ومحمد جدا ، هذا وهما يحضران الحج في غالب السنين ويكمنان في المدينة في غالب الأوقات ، ولا يشعر بهما من ينم عليهما ولله الحمد . والمنصور يعزل نائبا عن المدينة ويولي عليها غيره ويحرضه على إمساكهما والفحص عنهما ، وبذل الأموال في طلبهما ، وتعجزه المقادير عنهما لما يريده الله عز وجل . وقد واطأهما على أمرهما أمير من أمراء المنصور يقال له أبو العساكر خالد بن حسان ، فعزموا في بعض الحجات على الفتك بالمنصور بين الصفا والمروة ، فنهاهم عبد الله بن حسن لشرف البقعة . وقد اطلع المنصور على ذلك وعلم بما مالأهما ذلك الأمير ، فعذبه حتى أقر بما كانوا تمالؤا عليه من الفتك به . فقال : وما الذي صرفكم عن ذلك ؟ فقال : عبد الله بن حسن نهانا عن ذلك ، فأمر به الخليفة فغيب في الأرض فلم يظهر حتى الآن ( 1 ) . وقد استشار المنصور من يعلم من أمرائه ووزرائه من ذوي الرأي في أمر ابني عبد الله بن حسن ، وبعث الجواسيس والقصاد في البلاد فلم يقع لهما على خبر ، ولا ظهر لهما على عين ولا أثر ، والله غالب على أمره . وقد جاء محمد بن عبد الله بن حسن إلى أمه فقال يا أمه ! إني قد شفقت على أبي وعمومتي ، ولقد هممت أن أضع يدي في يد هؤلاء لأريح أهلي . فذهبت أمه إلى السجن فعرضت عليهم ما قال ابنها ، فقالوا : لا ولا كرامة ، بل نصبر على أمره فلعل الله أن يفتح على يديه خيرا ، ونحن نصبر وفرجنا بيد الله إن شاء فرج عنا ، وإن شاء ضيق . وتمالؤا كلهم على ذلك رحمهم الله . وفيها نقل آل حسن من حبس المدينة إلى حبس بالعراق وفي أرجلهم القيود ، وفي أعناقهم الأغلال . وكان ابتداء تقييدهم من الربذة بأمر أبي جعفر المنصور ، وقد أشخص معهم محمد بن عبد

--> ( 1 ) في الطبري 9 / 191 وابن الأثير 5 / 518 : لم يظفر به المنصور فإنه لحق بمحمد بن عبد الله بن محمد .